ضرائب عمالقة الإنترنت تغيّر خريطة قطاع الاتصالات


«التجارة والاقتصاد» ـ (لندن)

يوما بعد آخر يصبح مصطلح «الضريبة الرقمية» أكثر تطبيقا على أرض الواقع، فالمملكة المتحدة تخطط لتطبيق هذا النوع من الضرائب بدءا من الأول من أبريل المقبل، مع قيام الحكومة بمراجعة الضريبة في عام 2025.

وعلى الرغم من ذلك فإن المصطلح وتطبيقاته يثيران جدلا واسعا بين الدول، بشأن مشروعيته وتأثيره المستقبلي في النشاط الاقتصادي خاصة في الشق الرقمي من الاقتصاد الحديث.

وفي الحقيقة إن عديدا من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا، يخطط لفرض ضرائب على إيرادات وليس أرباح عمالقة الإنترنت مثل (فيسبوك) و(جوجل) و(أمازون) وغيرها من الشركات التي تتركز مبيعاتها بالأساس في الفضاء الإلكتروني.

فالمشهد الضريبي الدولي يشهد في الآونة الأخيرة تغيرات ملحوظة، وأكثر من 130 دولة تعمل حاليا إلى جانب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لتصميم نظام ضريبي دولي مناسب للاقتصاد الحديث والرقمي، لمواكبة نماذج الأعمال المتطورة.

وتبرر الدول الساعية إلى فرض الضريبة الرقمية وفي مقدمتها فرنسا دعوتها بالقول، إن شركات مثل فيسبوك وجوجل وأمازون أفلتت بأرباحها من قبضة رجال الضرائب، بفضل نشاطها متعدد الجنسيات، واستغلالها الثغرات القانونية، والطبيعة «الافتراضية» لنشاطها.

وتثير الدعوات الأوروبية ردود أفعال غاضبة في الولايات المتحدة، لأن أغلب الشركات التي ستنال منها الضريبة الرقمية أمريكية أو تقع مقارها الرئيسة في الولايات المتحدة، ما يعني من وجهة نظر الإدارة الأمريكية، أن هناك استهدافا أوروبيا لشركات التكنولوجيا الأمريكية.

وخلال قمة مجموعة السبع الأخيرة، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أنه توصل إلى «اتفاق جيد جدا» مع الولايات المتحدة حول الضرائب على عمالقة الإنترنت (جافا)، مؤكدا أن فرنسا ستعوض تلك الشركات بعد التوصل إلى اتفاق دولي بهذا الشأن.

وقال ماكرون إن دول مجموعة السبع اتفقت على التوصل إلى اتفاق عام 2020 في إطار منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بشأن ضريبة دولية على شركات الإنترنت، مشيرا إلى أن بلاده ستعوض الشركات من خلال خصومات على الضرائب الجديدة عند بدء تنفيذ الاتفاق الجديد.

وأضاف ماكرون: «إننا في ظل أوضاع غير عادلة على الإطلاق. بعض الفاعلين لا يدفعون ضرائب. وليس فرض فرنسا هذه الضريبة موجها ضد شركة أو أخرى، بل يهدف إلى تسوية مشكلة دولية.. اتفقنا على التوصل إلى اتفاق عام 2020 من أجل إصلاح الضرائب الدولية في إطار منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وكذلك من أجل أن نتخطى الخلافات الموجودة بيننا. ويوم تنفذ هذه الضريبة الجديدة ستلغي فرنسا كل مشاريعها الضريبية، وكل ما دفع سيخصم من الضريبة الدولية».

ولكن يبقى السؤال: ما هي تحديدا الضريبة الرقمية وكيف يمكن تعريفها؟ جون بيكر الخبير الضريبي يعتقد أن «الإطار الحالي للضرائب الدولية مبني بالأساس على فرضية أن الضرائب تفرض من خلال الوجود المادي للسلع والخدمات، لأن النظام الضريبي أسس قبل الاقتصاد الرقمي بنحو قرن، والمخطط المطروح في أوروبا حاليا يرمي إلى فرض ضرائب على مبيعات الإعلانات عبر الإنترنت، وعلى البيانات الإلكترونية، والخدمات التي يقدمها وسطاء مثل شركة أوبر للمواصلات أو شركة إير بي آند بي لتأجير واستئجار أماكن السكن».

ويضيف أن «تلك الشركات تربط بين المستخدمين والمنتجات، والفكرة المطروحة هي فرض الضرائب في الأماكن التي يوجد فيها مستخدمو الخدمات عبر الإنترنت، بدلا من الأماكن التي تقع فيها مقار تلك الشركات».

إلا أن تلك الضريبة التي يبدو مظهرها العام أوروبيا، تواجه أيضا باعتراضات من قبل دول أوروبية مثل إيرلندا وإلى حد ما ألمانيا، ليس فقط لخشيتها ردود الأفعال الأمريكية التي قد تطول شركات أوروبية كبرى، ولكن لأن تلك الضريبة ستنال من الشركات الأوروبية أيضا وتضعف قدرتها التنافسية في الاقتصاد الرقمي. ولكن إذا كان من الممكن أن تنجم عن الضرائب الرقمية آثار سلبية حتى على الاقتصاد الأوروبي فما الدوافع إليها؟

ربما يكون الدافع الرئيس لتلك الضريبة، هو شعور بعض الدول الأوروبية بالغبن من أن شركات الإنترنت وأغلبها أمريكية، لا تدفع حصة عادلة من مداخيلها سواء كانت إيرادات أو أرباحا للخزانة العامة في البلدان الأوروبية، نظرا لوجودها في بلدان أخرى، بعضها أوروبي لكنه منخفض الضرائب مثل إيرلندا. كما أن عملية تحويل الأموال بسلاسة عبر الحدود تمكن الشركات التي تبيع عبر الإنترنت، من تجنب دفع الضرائب في البلدان التي تحقق فيها مبيعات كبيرة.

وبصرف النظر عن الجانب الفلسفي المتعلق بعدالة هذا النوع من الضرائب أم لا، فإن السؤال الذي لا يزال محل جدل يرتبط بالأساس بالكيفية التي ستغير بها الضريبة الرقمية قطاع الاتصالات في أوروبا والولايات المتحدة؟