رئيس الوزراء الجديد: سأجعل بريطانيا أعظم بقاع الأرض


زعيم «بريكست» يتعهد بإتمام الانفصال عن الاتحاد الأوروبي

 

جونسون: «بريكست» فرصة اقتصادية هائلة وليست «عاصفة داهمة»

طالب الاتحاد الأوروبي باتفاق جديد مهدداً بعدم دفع 49 مليار يورو «فاتورة خروج»

«التجارة والاقتصاد» ـ جدة

جمعت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة تيريزا ماي، آخر ما تبقى من أوراقها ومحاولاتها البائسة في تحقيق الـ(بريكست) من الوصول لاتفاق مناسب في ملف الخروج من الاتحاد الأوروبي، وتولى وزير الخارجية البريطاني السابق بوريس جونسون، منصب رئيس الوزراء، بدعم من حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا.

وللمرة الأولى، اجتمع رئيس وزراء بريطانيا الجديد بوريس جونسون، بكبار وزرائه، الذين يهيمن عليهم أنصار «الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)»، في المقر الرسمي لرئاسة الحكومة في «10داوننغ ستريت» بلندن. وقال: «أمامنا مهمة ثقيلة. نحن ملتزمون الآن، كلنا، وفي وقت حاسم من تاريخ بلدنا، بمغادرة الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر، بل وقبل ذلك، من دون أعذار أو استثناءات». وتعهّد جونسون خروج بريطانيا من الاتحاد من دون اتفاق، ويراهن على أن التهديد بذلك سيقنع أكبر قوتين في الاتحاد (ألمانيا وفرنسا) بالموافقة على مراجعة الاتفاق، الذي وافقت عليه رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي، في نوفمبر الماضي، لكنها فشلت في اقتناص موافقة البرلمان عليه.

 

مواجهة صعبة

في أول كلمة له أمام البرلمان، قال جونسون، إنه يفضّل مغادرة الاتحاد باتفاق، معرباً عن ثقته في إمكانية التوصل لاتفاق جديد حتى في هذه المرحلة المتأخرة. وشدد جونسون على ضرورة إيجاد حل لما وصفه عامل الجدل في الاتفاق الحالي، في إشارة إلى ما يعرف ببند «شبكة الأمان» في الاتفاق، وهو إجراء مؤقت يُبقي بريطانيا ضمن الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي، إلى حين التوصل إلى حل نهائي لأزمة الحدود بين إيرلندا ومقاطعة إيرلندا الشمالية. وبعث جونسون تطمينات لمواطني الاتحاد الأوروبي المقيمين في بريطانيا بشأن مستقبلهم بعد الانسحاب، مؤكداً لهم في شكل مطلق أنهم يستطيعون العيش والبقاء في المملكة المتحدة. ووصف جونسون الفترة الحالية بأنها بداية لعصر ذهبي جديد، مؤكداً أنه يريد جعل بريطانيا «أعظم مكان على وجه الأرض».

وأعرب عن ثقته في أن اقتصاد المملكة المتحدة سيكون الأعظم والأكثر ازدهاراً في أوروبا بحلول عام 2050، وسيكون في مركز شبكة جديدة من الاتفاقيات التجارية. وقال إن بلاده ستكون من أوائل الدول التي ستنجح في الوصول إلى هدف خفض انبعاثات الكربون إلى الصفر، كما ستكون مركزا للعديد من الصناعات المتطورة. وقال رئيس الوزراء إن بريطانيا لن تطرح مرشحين للمفوضية الأوروبية الجديدة، رغم مطالبتها بذلك؛ بصفتها عضواً في الاتحاد: «لن نرشح مفوضا أوروبيا تحت أي ظروف»، مضيفا أن قراره «لا يهدف إلى منع الاتحاد الأوروبي من تشكيل مفوضية جديدة».

ويضع صعود جونسون لأعلى منصب رسمي في البلاد، خامس أكبر اقتصاد في العالم، على مسار مواجهة مع الاتحاد الأوروبي، وأزمة دستورية محتملة، وربما انتخابات، بعدما تعهد النواب بإحباط أي محاولة للخروج من الاتحاد من دون اتفاق. وبدأ جونسون مهام منصبه بعزل معظم وزراء حكومة ماي، في إحدى أكبر موجات استبعاد كبار الوزراء في تاريخ بريطانيا المعاصر. واستقال -أو أقيل- 17 وزيرا من حكومة ماي، ما كون مجموعة قوية جديدة من الخصوم في البرلمان. ومعظم الوزراء الجدد الذين اختارهم جونسون من مؤيدي الخروج من الاتحاد. واختير ساجد جاويد (49 عاماً) وزيراً للمالية، وكان جاويد ضمن من صوتوا للبقاء في الاتحاد الأوروبي في استفتاء عام 2016. ومن ضمن أشد مؤيدي الانفصال عن الاتحاد، اختيرت بريتي باتيل، وزيرة للداخلية، ودومينيك راب، وزيرا للخارجية، وستيفن باركلي، وزيرا لشؤون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. كما جرى تعيين دومينيك كامنغز، مدير الحملة الرسمية الداعية للتصويت لمصلحة الخروج من التكتل، مستشاراً كبيراً في «10داوننغ ستريت».

 

رفض التفاوض

وحذر كبير المفاوضين في الاتحاد الأوروبي حول الملف ميشال بارنييه، الدول الأعضاء في التكتل من أن جونسون كان يحاول إثارة الانقسام في صفوفها من طريق التهديد بالخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق.

وأبلغ رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر رئيس الوزراء البريطاني -في مكالمة هاتفية- أن قادة الاتحاد الأوروبي لم يمنحوا بروكسل أي تفويض لإعادة التفاوض.

وقالت المتحدثة باسمه مينا اندرييفا «أكد له أيضا أن المفوضية الأوروبية مستعدة للعمل مع المملكة المتحدة لإتمام الإعلان السياسي (المرفق باتفاق الخروج) ولبحث كل اقتراحاتها، شرط أن تكون منسجمة مع اتفاق الخروج».

وفي وقت سابق، نبه المفاوض الأوروبي ميشال بارنييه إلى أن مطالب رئيس الوزراء البريطاني الجديد بوريس جونسون حول تعديل اتفاق بريكست «غير مقبولة»، داعيا الاتحاد الأوروبي إلى الاستعداد لاحتمال خروج بريطانيا من دون اتفاق.

وقال بارنييه في رسالة وجهها إلى ممثلي الدول الـ27 إن جونسون «أعلن أنه إذا كان ينبغي التوصل إلى اتفاق، فيجب إلغاء شبكة الامان (المتعلقة بالحدود الإيرلندية). هذا بالتأكيد غير مقبول ولا يقع ضمن مهام المجلس الاوروبي». وشدد على أن «عدم وجود اتفاق لن يكون أبداً خيار الاتحاد الاوروبي، ولكن علينا أن نستعد جميعاً لكل السيناريوهات».

ووصف جونسون الاتفاق الذي توصلت إليه رئيسة الوزراء السابقة تيريز ماي مع بروكسل بـ«غير المقبول»، وقال إن حكومته ستولي «أولوية قصوى» للتحضيرات للخروج من الاتحاد في حالة عدم التوصل إلى إتفاق مع بروكسل في الموعد المحدد في 31 أكتوبر.

وفي بداية عاصفة في البرلمان، دعا جونسون الاتحاد الأوروبي إلى إعادة التفكير في رفضه التفاوض مجددا بشأن الاتفاق. مؤكداً مجددا وعده بإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الموعد المحدد بأي ثمن.

وفي حال الخروج بدون اتفاق، هدد جونسون بعدم دفع فاتورة الخروج وقدرها 39 مليار جنيه استرليني (49 مليار يورو) التي قالت بريطانيا سابقا إنها تدين بها للاتحاد الأوروبي، وسينفق الأموال بدل ذلك على التحضيرات للخروج بدون اتفاق.

ويرى جونسون أن التهديد بخروج فوضوي من الاتحاد الأوروبي سيجبر بروكسل على الإذعان وعلى منح لندن شروطاً أفضل ستتيح لها إبرام اتفاقات تجارية مع قوى عالمية مثل الصين والولايات المتحدة.

واتهم مؤيدو بريكست في البرلمان ماي، بتجاهل رغبات الناخبين بوعدها بإبقاء الروابط بين بريطانيا وقوانين الاتحاد الأوروبي الاقتصادية إذا لزم الأمر للحفاظ على التجارة الحرة بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا الجنوبية.

ويتمحور حل جونسون بشأن هذه الحدود حول اقتراحات رفضها الاتحاد الأوروبي والقادة الإيرلنديون، لأنها إما غير قابلة للتطبيق أو غير كافية.

ودعا رئيس وزراء ايرلندا ليو فارادكار -الذي ستخسر بلاده المعتمدة على التجارة كثيرا من خروج بريطانيا بدون اتفاق- جونسون الى القبول بتسوية.

 

فرصة هائلة

أعلن بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني أن (بريكست) تمثل «فرصة اقتصادية هائلة» لكن تم التعاطي معها خلال فترة سلفه تيريزا ماي على أنها «عاصفة معادية داهمة».

وعرض رئيس الوزراء البريطاني الجديد جدول أعماله الداخلي المتعلق بمجالات الصحة والتعليم والبنى التحتية في خطاب ألقاه في مانشستر بعد أن سعى لدحض تكهنات إزاء احتمال دعوته لانتخابات مبكرة.

وبعدما حدد موقفه من (بريكست) مطالبا الاتحاد الأوروبي باتفاق جديد، قرر جونسون التركيز على برنامج عمله الداخلي، واعداً خصوصاً بزيادة عدد الشرطة التي تأثرت بسياسة التقشف في الموازنة المعتمدة منذ وصول المحافظين الى السلطة في 2010.

وخلال زيارة لمدينة برمنغهام في وسط إنجلترا، قال إن «الشعب البريطاني صوت في 2015 و2016 و2017»، مضيفا: «ما يريدوننا أن نفعله هو تحقيق المهمة التي أوكلوها، وهي الخروج من الاتحاد الأوروبي في 31 (أكتوبر). وقال «لا يريدون انتخابات أخرى لا يريدون استفتاء آخر، ولا يريدون انتخابات عامة».

غير أن البريطانيين يمكن أن يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع في حال أسقط النواب حكومة جونسون الجديدة في تصويت بسحب الثقة سعيا لتجنب «بريكست» دون اتفاق.

وصوتت بريطانيا لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي بأغلبية 52% في استفتاء عام 2016 كشف في جزء منه عنه استياء كبير إزاء التفاوت الاقتصادي.

وماي كانت قد وصلت إلى رئاسة الحكومة وسط وعود بمكافحة التفاوت الاجتماعي لكن طغت على أجندتها الداخلية مفاوضات (بريكست) وفشل محاولاتها إقناع البرلمان في التصويت لمصلحة الاتفاق الذي أبرمته مع الاتحاد الأوروبي بشأن الانفصال.

 

تحديات الاقتصاد

ما يهم البريطانيين والشركات وكبار المستثمرين الأجانب في حي المال البريطاني، هو توجهات جونسون المالية والاقتصادية وما سيكون عليه شكل العلاقة التجارية المتوقعة مع دول الاتحاد الأوروبي.

وفي أولى إشارات قلق الأسواق من انتخاب جونسون، تراجعت قيمة الجنيه الإسترليني في التعاملات الصباحية، في لندن، دون نقطة التعادل أمام الدولار لأول مرة في تاريخه، حيث انخفض الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوياته في عامين، وذلك بسبب تجدد المخاوف بشأن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق.

على صعيد السياسة النقدية، توقع محللون لصحيفة (فاينانشيال تايمز) أن يعمد جونسون إلى خفض الفائدة وتبني سياسات التيسير الكمي وتسهيل الاقتراض لإنعاش الاقتصاد البريطاني. كما أن جونسون من المتوقع أن يعمل كذلك على زيادة الضرائب على الأثرياء، ضمن خطة سبق أن تكلم عنها لخفض عجز الميزانية المقررة في الخريف المقبل.

على الصعيد الاقتصادي، يرى المعهد القومي البريطاني للدراسات الاجتماعية والأبحاث الاقتصادية، أن الاقتصاد البريطاني دخل عملياً مرحلة الركود. وفي حال خروج بريطانيا من دون ترتيبات تجارية في الخريف المقبل، فإن التحديات الاقتصادية ستزيد أمام بريطانيا. ولكن ما يطمئن رئيس الوزراء جونسون أنه حليف قوي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما سيسهل عليه مهمة الشراكة التجارية المقترحة بين بريطانيا وأمريكا.

وعلى صعيد المخاطر التي تواجه الاقتصاد البريطاني، حذر رئيس الوزراء الأسبق غوردون براون، من تدهور علاقات بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي. وتوقع براون أن يعلن جونسون حرباً على الاتحاد الأوروبي، وسيرفض أي عرض أوروبي جديد بتأجيل بريكست إلى ما بعد 31 أكتوبر. كما توقع أن يرفض جونسون تسديد فاتورة بريكست وسيربط أي دفعات مالية لأوروبا بتلبية التنازلات التي سيطلبها.

 

ملفات اقتصادية

تضم أجندة أعمال رئيس الوزراء البريطاني الجديد عدة ملفات؛ في المقام الأول ملف (بريكست) الذي لم يكشف جونسن عنه أي شيء.

 قال بوريس جونسون، بعد تعهده بإتمام تنفيذ خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي، بحلول 31 أكتوبر المقبل «إن بلاده قد تخرج من الاتحاد الأوروبي بإبرام اتفاق للتجارة الحرة من شأنه أن يلغي الحاجة لأحد الأجزاء التي مثلت إشكالية كبرى في الاتفاق السابق». وأضاف جونسون -في مقاله الأسبوعي بصحيفة تليغراف- أن التكنولوجيا تستطيع درء الحاجة للالتزام بالترتيب الخاص بأيرلندا الشمالية، وهو الترتيب الذي رفضه كثير من أعضاء البرلمان البريطاني. وقال: «هناك نطاق واسع لإيجاد الحلول اللازمة، ويمكن إيجادها، وسيتم إيجادها، في سياق اتفاق للتجارة الحرة سنتفاوض بشأنه مع الاتحاد الأوروبي، بعد الانسحاب منه في 31 أكتوبر المقبل». وأضاف: «يمكننا الخروج من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر، ونمتلك التكنولوجيا للقيام بذلك. ما نحن بحاجة إليه الآن هو الإرادة والقيادة».

وتسبب تنحي ماي في تعطل اتخاذ قرار نهائي بشأن ضم هواوي إلى شبكة الاتصالات البريطانية (الجيل الخامس). وقال جونسون إنه من الممكن أن تكون هناك فوائد كبيرة من الاستثمار القادم من دول أخرى، لكنه لن يساوم على البنية الأساسية للأمن القومي لبريطانيا. وقال «لا تنتظروا مني وأنا رئيس للوزراء أن أفعل أي شيء للمساومة على قدرة أجهزة مخابراتنا الرائعة على تبادل المعلومات مثلما تفعل، خاصة مع شركائنا في العيون الخمس، ومن ثم فهذا هو المبدأ الذي سيوجهنا». ويشير جونسون بتعبير (العيون الخمس) إلى تحالف خماسي قائم بين بريطانيا وكل من الولايات المتحدة وأستراليا وكندا ونيوزيلاندا.

إلى ذلك، تعهد جونسون بإنفاق مليارات الجنيهات على الخدمات العامة والبنية الأساسية وخفض الضرائب، كما وعد بزيادة الإنفاق على التعليم والنقل والإنترنت فائق السرعة والشرطة، وإنهاء تجميد الأجور في القطاع العام.

وقال إنه سيستفيد من التسهيلات الائتمانية البالغ مقدارها 27 مليار جنيه إسترليني التي تجمعت في التمويلات العامة، في إشارة إلى الفرق بين الرقم الحكومي المستهدف لعجز الموازنة وحجمه المتوقع.

ونسب إليه قوله «صدقوني هناك أموال متاحة الآن.. أنا مستعد للاقتراض لتمويل أهداف معينة عظيمة لكن فوق كل شيء سنعمل بالمسؤولية المالية».

وذكرت وسائل الإعلام البريطانية أنه يعدُّ ميزانية طوارئ تشمل تخفيضات ضريبية هائلة وتحديث الرسوم العمومية والضريبة العقارية وإجراء تغيير جذري في اللوائح إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق.

وخلال تقلده منصب عمدة لندن، قدم جونسون دعماً هائلاً للخدمات المالية لكنه ظل يحاول إعادة بناء العلاقات مع إدارات الشركات بعد هجوم شنه على الشركات.

وعن التخفيضات الضريبية قال جونسون، إن هناك مجالاً لخفض الضرائب، وتعهد برفع المستوى الذي يتم من خلاله دفع المعدل الأعلى من ضريبة الدخل. ويريد أيضاً رفع الحاجز التي يبدأ الناس عنده دفع التأمين الوطني.وقال «يجب أن نرفع حواجز ضريبة الدخل، وبذلك نساعد الأعداد الضخمة التي سقطت في المعدل الأعلى بسبب التراخي المالي. يمكننا أن نتجه إلى نمو اقتصادي أعلى بكثير، ونستمر في كوننا المجتمع الأنظف والأكثر حفاظاً على البيئة في العالم».

وراد: إن بريطانيا يجب أن تخفض ضرائب الشركات، لكنه أشار إلى أن شركات الإنترنت العملاقة يمكن إرغامها على أن تدفع أكثر. مضيفاً «إنه لظلم شديد أن تدفع الشركات الصغيرة أكثر من اللازم.. بينما شركات الإنترنت العملاقة لا تدفع شيئاً تقريباً».