هل سيؤدي خروج بريطانيا من «البريكست» إلى تفتيتها؟


جدة ـ «التجارة والاقتصاد»

خرجت بريطانيا رسمياً من الاتحاد الأوروبي، مطلع السبت الأول من فبراير 2020، حيث اعتبر رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون،

أن خروج بلاده من الاتحاد (بريكست) ليس النهاية بل بداية فصل جديد من مسيرة بلاده الكبرى.

وطوت بريطانيا فصلاً عمره 47 عاماً داخل الاتحاد الأوروبي، لتدخل مرحلة جديدة لن تكون سهلة في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي،

الذي بات يضم 27 دولة، وأيضاً فإن العلاقات داخل بريطانيا سوف تكون أكثر تعقيداً مع أسكتلندا وأيرلندا؛ حيث تبديان رغبتهما في الاستقلال عنها.

 

مفاوضات عسيرة

إن الخروج البريطاني تم بعد مخاض عسير في الداخل، ومفاوضات عسيرة مع الاتحاد الأوروبي؛

تنفيذاً للاستفاء الذي جرى في يونيو 2016؛ حيث صوت 51.9% من البريطانيين؛ تأييداً للخروج، وتوج ذلك، يوم الأربعاء الماضي،

بمصادقة مجلس العموم البريطاني على الاتفاق، واستكمل بمصادقة البرلمان الأوروبي بأغلبية كبيرة عليه خلال احتفال جرى بمقر البرلمان

في بروكسل، وسط مشاعر فياضة من الحزن والدموع؛ حيث أدى أعضاء البرلمان نشيد الوداع (أيام مضت).

وإذا كان خروج بريطانيا يبدأ اليوم بإنزال علم بريطانيا من أمام كافة مؤسسات الإتحاد من دون أية مراسيم بروتوكولية، إلا أن الاتفاق يقضي

بفترة انتقالية مدتها 11 شهراً تستمر حتى نهاية الشهر الحالي؛ حيث تواصل بريطانيا وباقي دول الاتحاد تطبيق ذات القواعد التجارية الحالية؛

لمنع أية هزات اقتصادية، بينما يحاول المسؤولون التفاوض على اتفاق تجاري جديد، وهي مفاوضات لن تكون سهلة؛ بل قد تكون أكثر صعوبة

من مفاوضات الخروج؛ نظراً للشروط والتفاصيل المعقدة التي قد تواجه المتفاوضين، لكنّ هناك أيضاً سؤالاً يتعلق بمصير نحو ثلاثة ملايين مواطن

أوروبي، معظمهم من البولنديين يقيمون ويعملون في بريطانيا، وكذلك من البريطانيين المقيمين في أوروبا، هل سيفقد هؤلاء حقهم في العمل؟

وكيف ستتم معاملتهم، وما الشروط الجديدة التي ستفرض عليهم؟.

وإذا كانت هذه بعض الأزمات التي ستواجه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن الأزمة الأكبر والأخطر التي قد تواجهها مستقبلاً،

تتعلق بمصير بريطانيا بالذات، فهل ستبقى بريطانيا كما هي عليه الآن، أما أنها ستواجه حالات انفصال قد تؤدي إلى تفتتها؟.

وكما هو واضح حتى الآن، هناك نية لدى أسكتلندا التي عانت طيلة ثلاثة عقود من القرن الماضي من حروب دينية وقومية جاهرت بعزمها

على الاستقلال، وكذلك فعلت أسكتلندا؛ حيث تشير آخر استطلاعات للرأي وفقاً لصحيفة (صنداي تايمز) أن 51% من الأسكتلنديين يؤيدون

الاستقلال إذا غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي. ولعل الولايات المتحدة هي أكثر دولة سعادةً بخروج بريطانيا من كنف الاتحاد الأوروبي؛

لأنها ستسعى إلى وضعها تحت عباءتها، فقد تعهد الرئيس الأمريكي ترامب باتفاق تجاري كبير معها، كما توقع بوريس جونسون أن تفتح

الولايات المتحدة أسواقها أمام بلاده؛ تعويضاً عن دول الاتحاد الأوروبي؛ بمعنى أنه يريد أن تكون الولايات المتحدة «درة التاج» البريطاني؛

لذلك سارع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى لندن، يوم الأربعاء الماضي؛ للاطمئنان؛ كي يكون شاهد عيان على كتابة الفصل الأخير

من الـ(بريكست).

 

8 أسباب للانفصال

قال جونسون في خطاب إلى البريطانيين: «أياً تكن العقبات على الطريق فأنا أعلم أننا سننجح»، مشدداً على أن «الأهم هذه الليلة هو أن نقول

إنها ليست النهاية بل البداية، إنها لحظة بزوغ الفجر وبدء فصل جديد من مسيرتنا الوطنية الكبرى».

وأضاف جونسون: إن «بريكست سيشكل نجاحاً باهراً»، وذلك في وقت تستعد فيه بلاده لبدء مفاوضات صعبة مع الاتحاد الأوروبي بشأن

علاقتهما التجارية المستقبلية.

وتابع رئيس الوزراء الذي حقق حلم المحافظين بالخروج: «نريد أن تكون هذه بداية عهد جديد من التعاون الودي بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا

المفعمة بالطاقة».

وستمر بريطانيا، منذ اليوم السبت، بمرحلة انتقالية تنتهي مع نهاية 2020؛ تبقى لندن خلالها ملتزمة بالقوانين الأوروبية، من بينها حرية حركة

التجارة والأفراد.

وبحسب مصادر إعلامية بريطانية واستطلاعات رأي بريطانية، فإن ثمانية أسباب دفعت البريطانيين لرمي يمين الطلاق بوجه الاتحاد الأوروبي،

يوم الجمعة، وفيما يأتي أبرز تلك الأسباب، كما نقلتها وكالة الأناضول:

1- التخلص من عبء المهاجرين واللاجئين

يؤمن المواطن البريطاني بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي سيمكّن بلاده من اتباع نظام جديد يحد من السماح للمهاجرين من خارج

الاتحاد الأوروبي بالدخول إلى البلاد.

وتشير آخر الإحصائيات إلى أن عدد المهاجرين في بريطانيا يقدّر بـ863 ألف مهاجر، وهو ما يشكل عبئاً بقيمة تتجاوز 3.67 مليارات جنيه

إسترليني (4.131 مليارات دولار) سنوياً، بحسب جامعة (مدرسة لندن الاقتصادية).

 

2- الخوف من الإرهاب

زيادة الهجمات الإرهابية في بعض الدول الأوروبية مؤخراً، دفعت المواطن البريطاني إلى التفكير في أن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي

سيوقف اتفاقية الحدود المفتوحة بين دوله، وهو ما قد يحدّ حركة المواطنين الأوروبيين، ومن ثم يحول دون مجيء الإرهابيين إلى بريطانيا.

وخلال الأشهر الماضية كانت هناك تصريحات عدة لمتزعمي معسكر (الرحيل)، وفي مقدمتهم دومينيك راب، وزير العدل البريطاني، الذي

اعتبر أن «الخروج من شأنه ردع هجمات إرهابية محتملة في المستقبل».

 

3- التوفير المالي للصحة والتعليم

هذا السبب مترتب على التخلص من أعباء استقبال المهاجرين عبر الحدود، الذي أسهم في تصديقه مئات المطويات التي وزعت بالبريد أو على

نواصي الشوارع، التي توقعت توفير 350 مليون جنيه إسترليني (480 مليون دولار) أسبوعياً لحساب الخزينة البريطانية، وهو مبلغ كافٍ لبناء

مستشفى. كما أن المبلغ نفسه يعادل نصف ميزانية التعليم في إنجلترا، مع اقتراحات من معسكر المعارضين للبقاء بتوظيف تلك الأموال في البحث

العلمي والصناعات الجديدة.

 

4- وعود فضفاضة بالازدهار

وهي وعود منّى بها المعسكر الرافض للبقاء المواطنَ البريطاني، حيث ظلت كلمات رئيس بلدية لندن السابق رئيس الوزراء الحالي، بوريس

جونسون، مصاحبة للمواطن البريطاني داخل اللجان، حيث لم ينسَ مقولته: «إذا صوتنا في 23 يونيو 2016 واستعدنا السيطرة على بلادنا

واقتصادنا وديمقراطيتنا فإننا نستطيع عندها أن نزدهر كما لم نزدهر من قبل».

تلك الوعود امتلأت بها الصحف المؤيدة للخروج، ومنها صحيفة (صنداي تايمز)، التي قالت: «لو كان هناك دبلوماسية أفضل لكانت ستجعل

الاستفتاء غير ضروري، ولكن الآن السؤال أمام الناخبين، فالخروج من الاتحاد الأوروبي هو أفضل طريقة لوقف المزيد من الاتحاد الاقتصادي

والسياسي بين الطرفين».

 

5- التجارة الحرة

قدّم معسكر المعارضين للبقاء تصوراً عن أوضاع التجارة عقب الخروج، كان سبباً كافياً لدى المواطن البريطاني إلى توقع الأفضل، حيث

يتصور المواطن البريطاني أن الرحيل سيمكن بلاده من إقامة علاقات اقتصادية مع الاتحاد الأوروبي دون خضوعها لقوانين الاتحاد، حيث

يمكنها عمل اتفاقيات تجارية مع دول مهمة مثل أمريكا والهند والصين، بالإضافة لمساعي إقامة منطقة تجارة حرة.

 

6- النفوذ الدولي

يعتقد البريطانيون أن تأثير بلادهم داخل الاتحاد الأوروبي ضعيف، وفي حال رحيلها عن الاتحاد ستتمكن من التصرف بحرية، والحصول على

مقاعد في مؤسسات عالمية، كانت خسرتها بسبب انضمامها للاتحاد الأوروبي؛ كمنظمة التجارة العالمية.

 

7- الكلمة الأولى للتشريعات الوطنية

الناخب البريطاني أصبح على قناعة بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي سيعلي من صوت القوانين الوطنية البريطانية، وأنه لن تكون هناك

سيطرة من قبل القوانين الأوروبية الاتحادية، وهو ما سيساهم في إعادة السيطرة على قوانين التوظيف والخدمات الصحية والأمن.

توقعات الناخب البريطاني بمنح صلاحيات وسلطات أكبر للبرلمان البريطاني جعلته يأمل خيراً على الأصعدة كافة، خاصة أن بعض القوانين

الداخلية بحاجة إلى تغيير، لكنها تتعارض مع قوانين الاتحاد الأوروبي، ما يحول دون إقرارها.

 

8- المخاوف من انضمام تركيا للاتحاد

استطاع قادة سياسيون في معسكر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي التأثير في المواطنين البسطاء، وخلق فزّاعة وهمية لديهم بخصوص

تبعات انضمام تركيا إلى الاتحاد، وتصوير الأمر على أنه يهدد بفتح حدودها لتدفق آلاف اللاجئين الموجودين فيها حالياً إلى الدول الأوروبية.