خامس قوة اقتصادية عالمياً تواجه أضعف نمو في 10 أعوام


 

لاغارد تنتقد «بريسكت بريطانيا».. ووزيرة الخزانة البريطانية: ماي قادرة على تعديل الاتفاق

250 شركة تبحث نقل أعمالها من بريطانيا إلى هولندا قبل الـ«بريكست»

 

 

وزيرة الخزانة البريطانية ليز تراس

لاغارد

وزير الخارجية الألماني هايكو ماس

بنك إنجلترا المركزي

 

رفضَ البرلمان البريطاني بأغلبية ساحقة، الاتفاق الذي توصلت إليه رئيسة الوزراء تيريزا ماي مع بروكسل للخروج من الاتحاد الأوروبي.

رفضْ البرلمان يمثل صفعة للجهود التي تبذلها رئيسة الوزراء من أكثر من شهر لإقناع النواب بأن الاتفاق هو أفضل صفقة يمكن أن تحصل عليها بريطانيا.. وبهذا التصويت تدخل بريطانيا، خامس قوة اقتصادية عالميا، «نفق مظلم».

ووفقا لنبك إنجلترا المركزي، فإن بريطانيا تواجه أضعف نمو اقتصادي في عشرة أعوام في العام الجاري، حيث ألقى باللوم على الضبابية التي تكتنف الخروج من الاتحاد الأوروبي وتباطؤ الاقتصاد العالمي.

ومع تأزم موقف تيريزا ماي، أمام البرلمان، يبدو أن الأمور تتجه إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، الأمر الذي يعد بمثابة «كارثة» للمملكة المتحدة.

 

 

هزيمة ساحقة

تلقت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي هزيمة ساحقة في تصويت تاريخي في البرلمان حول اتفاق (بريكست) الذي توصلت إليه مع الاتحاد الأوروبي، ما يدخل بريطانيا، خامس أكبر قوة اقتصادية «في المجهول».

وصوت النواب البريطانيون بغالبية ساحقة، على رفض اتفاق (بريكست) الذي توصلت إليه لندن مع بروكسل في تصويت تاريخي يترك مصير الخروج من الاتحاد معلقا.

ورفض النواب في مجلس العموم بغالبية 432 صوتا مقابل 202 الاتفاق الذي توصلت إليه رئيسة الوزراء تيريزا ماي مع الاتحاد الأوروبي. ومباشرة بعد التصويت قالت ماي «إن المجلس قد قال كلمته والحكومة ستمتثل». وتابعت «من الواضح أن المجلس لا يؤيد هذا الاتفاق، لكن التصويت هذه الليلة لا يكشف ماذا يؤيد».

مضيفة أن التصويت لا يكشف «أي شيء حول الطريقة التي ينوي فيها (المجلس) تطبيق قرار الشعب البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي، أو حتى ما إذا كان ينوي فعل ذلك». وقالت ماي «استمعوا للشعب البريطاني الذي يريد تسوية هذه المسألة».

 

محاولة اللحظة الأخيرة

وكانت ماي قد قامت بمحاولة أخيرة لإنقاذ خطتها لإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد نحو خمسة عقود، وقالت ماي للنواب إن الواجب يفرض عليهم تطبيق ما صوت من أجله البريطانيون في استفتاء 2016.

وأكدت: «أعتقد أن الواجب يفرض علينا تطبيق القرار الديمقراطي للشعب البريطاني»، محذرة النواب من أن الاتحاد الأوروبي لن يعرض «اتفاقا بديلا». وأضافت أن: «المسؤولية الملقاة على عاتق كل فرد منا في هذا التوقيت كبيرة جدا، لأنه قرار تاريخي سيحدد مستقبل بلادنا لأجيال».

وقبل نحو الشهرين من موعد الخروج من الاتحاد الأوروبي في 29 مارس، لا تزال بريطانيا منقسمة بشدة بشأن ما يجب أن يحدث لاحقا.

 

لا اتفاق.. لا مشكلة

أجبرت معارضة الاتفاق ماي على تأجيل التصويت في ديسمبر على أمل الحصول على تنازلات من بروكسل.

ولم يقدم قادة الاتحاد الأوروبي سوى سلسلة من التوضيحات، إلا أن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس في ستراسبورغ ألمح إلى احتمال إجراء مزيد من المحادثات رغم أنه استبعد إعادة التفاوض الكامل على نص الاتفاق.

وقال: «لقد تم القيام بكل شيء في الأسابيع والأشهر الأخيرة للتعبير عن اهتمامنا بالتوصل إلى قرار إيجابي (…) إلا أني أشك في أنه يمكن إعادة فتح الاتفاق للنقاش مرة أخرى».

والتصويت هو ذروة أكثر من عامين من النقاش داخل بريطانيا بعد نتيجة الاستفتاء على (بريكست) في 2016، وهي النتيجة التي وجد معظم النواب المؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي صعوبة في تقبلها.

وتجمع عدد من المؤيدين والرافضين للبريكست أمام البرلمان مع بدء اليوم الأخير من النقاش. وحمل بعضهم لافتة كتب عليها «عضوية الاتحاد الأوروبي هي أفضل اتفاق»، بينما كتب على أخرى «لا اتفاق؟ لا مشكلة».

وستراقب الأسواق المالية كذلك نتيجة التصويت، وحشدت العديد من شركات التعامل بالعملات المزيد من الموظفين بمناسبة التصويت بينما أوقفت شركة واحدة على الأقل التعاملات لتجنب تحركات مفرطة للعملة.

وقالت المحللة في موقع (إنتراكتيف إنفسيتور) للتعاملات المالية ريبيكا أوكيفي «تصويت اليوم هو نتيجة معروفة ولذلك فمن غير المرجح أن تحدث حركة كبيرة في الجنيه الإسترليني». وأضافت «ستبدأ التفاعلات الكبيرة بعد اليوم عندما يتضح ما سيحدث تاليا»، متوقعة أن قرارا بعدم مغادرة الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى ارتفاع الجنيه بشكل كبير بينما الخروج بدون اتفاق سيؤدي إلى انخفاضه إلى مستويات قياسية.

 

ما تعنيه الهزيمة

في حال الهزيمة، يجب على الحكومة أن تحدد الخطوات التي ستحدث تاليا. وتتزايد التكهنات في جانبي القناة بأن ماي ستطلب تأجيل (البريكست). لكن مصدرا دبلوماسيا صرح أن أي تمديد لن يكون ممكنا بعد 30 يونيو عند قيام البرلمان الأوروبي الجديد.

وتشمل خطة الانسحاب مشاريع للمرحلة الانتقالية بعد (بريكست) إلى حين إقامة شراكة جديدة مقابل مساهمات ميزانية مستمرة من لندن. وفي حال عدم الموافقة على الخطة وإذا لم يحدث أي تأخير فإن بريطانيا ستقطع علاقات استمرت 46 عاما مع أقرب جاراتها دون اتفاق يخفف من وقع الضربة.

وكانت رئيسة الحكومة البريطانية، تیريزا ماي، قد سعت لحثّ النواب من جديد لنيل موافقتهم على اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في فرصة، يعتبرها المراقبون، أخيرة بالنسبة لها قبل التصويت الحاسم للبرلمان على الاتفاق.

كما حذرت ماي أعضاء البرلمان من أن عدم تأييد خطتها للانسحاب من الاتحاد الأوروبي سيمثل كارثة لبريطانيا في محاولة لحشد أكبر عدد من المؤيدين لخطتها قبل التصويت المتوقع أن تخسره.

وحسب المراقبين، فإن ماي لم تقترب بَعد من ضمان التأييد الذي تحتاجه، وقالت في صحيفة صنداي اكسبريس إنه يجب على النواب ألا يخذلوا الناس الذين صوتوا من أجل الخروج من الاتحاد الأوروبي. وأضافت: «قيامهم بذلك سيكون كارثة وخيانة لا تغتفر للثقة في ديمقراطيتنا»، مستطردة بالقول: «لذلك فإن رسالتي للبرلمان في بسيطة وهي أن الوقت حان للتغاضي عن المناورات وفعل ما هو صواب لبلدنا».

 

اقتصاد نحو الانكماش

مع تأزم موقف رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، أمام البرلمان، يبدو أن الأمور تتجه إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، الأمر الذي يعد بمثابة «كارثة» للمملكة المتحدة.

صحيفة (فاينانشيال تايمز) البريطانية، قالت إن «أحوال لندن ستكون أكثر سوءا في ظل جميع السيناريوهات المحتملة لخروجها من الاتحاد، وتتنبأ الدراسات الحكومية بأنه في حالة عدم الاتفاق، سينكمش اقتصاد المملكة المتحدة بنسبة 7.7% بعد 15 عاماً من خروجها بشكل غير منظم».

أما في حالة إبرام اتفاقية شاملة للتجارة الحرة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي ستنخفض معدلات النمو البريطاني بنسبة 5% خلال الفترة نفسها، وسيكون الضرر أكبر إذا تراجعت الهجرة من الاتحاد الأوروبي. كما توقعت شركة (كابيتال إيكونوميكس) البريطانية، للأبحاث، أن يؤدي الخروج غير المنظم إلى خفض معدلات النمو الاقتصادي في بريطانيا بنسبة 0.2% في 2019، وتراجع الجنيه الإسترليني إلى 1.12 دولار مقابل الدولار، مقارنة بـ1.26 دولار حاليا.

وفى سياق متصل، أجرى المعهد الوطني للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، دراسة قدرت التكلفة السنوية لاتفاقية الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي بحوالى 100 مليار جنيه إسترليني، مشيرا إلى أن بريطانيا ستقوم بدفع ما عليها من أقساط ورسوم ودفعات مالية متراكمة منذ بداية عضويتها في الاتحاد، كما تلتزم بدفع نصيبها في ميزانية الاتحاد وكل ما عليها حتى نهاية الفترة الانتقالية.

وستضطر المملكة المتحدة إلى تحمل حصة من الأعباء الاجتماعية لفترات طويلة مثل أقساط المعاشات، لموظفي الاتحاد الأوروبي خلال فترة عضويتها.

ورأت الصحيفة البريطانية، أنه على الرغم من سوء الأحوال في جميع السيناريوهات، إلا أن سيناريو الخروج من دون اتفاق بمثابة «كابوس يهدد البلاد»، مضيفة أن الوقت بدأ ينفد، وعلى بريطانيا والاتحاد الأوروبي العمل على إعادة التفكير بسرعة.

كما رأى صندوق النقد الدولي، أن (بريكست) بدون اتفاق ستكون تكلفته كبيرة على الاقتصاد البريطاني، مؤكداً أن تفاهماً بين بريطانيا والمفوضية الأوروبية حول العلاقات المقبلة بينهما «أساسي» لهذا السبب.

من جانبها، حذرت أكبر خمس مجموعات تجارية وصناعية في بريطانيا في بيان مشترك من «الوصول إلى نقطة اللاعودة» في ظل تزايد احتمالات الخروج الفوضوي من الاتحاد الأوروبي.

 

أسعار الفائدة

تواجه بريطانيا أضعف نمو اقتصادي في عشرة أعوام في العام الجاري، وفقا لبنك إنجلترا المركزي الذي ألقى باللوم على الضبابية التي تكتنف الخروج من الاتحاد الأوروبي وتباطؤ الاقتصاد العالمي.

وفيما قالت بنوك مركزية أخرى إنها ستحجم عن رفع تكاليف الاقتراض، أعاد بنك إنجلترا التأكيد على توقعات بزيادة تدريجية ومحدودة في أسعار الفائدة في خامس أكبر اقتصاد في العالم، إذا تم تجنب الخروج دون التوصل لاتفاق في الـ50 يوما المتبقية على موعد الانسحاب الرسمي.

وقال صانعو السياسات في المركزي «النمو الاقتصادي في بريطانيا تباطأ في أواخر 2018، ويبدو أنه ضعف أكثر في مستهل 2019»، وذلك بعد أن صوتوا بالإجماع على الإبقاء على أسعار الفائدة عند 0.75%.

ونقلت رويترز عن صانعي السياسات، أن «هذا التباطؤ يرجع بالأساس إلى ضعف النشاط في الخارج، وتأثيرات أكبر للضبابية التي تكتنف الخروج من الاتحاد الأوروبي في الداخل».

وفي وقت سابق، خفض البنك المركزي بشكل حاد توقعاته للنمو الاقتصادي في 2019 إلى 1.2% انخفاضا من تقديرات سابقة بلغت 1.7% صادرة في نوفمبر.

ويمثل ذلك أكبر خفض لتقديرات المركزي البريطاني منذ الفترة التي تلت مباشرة الاستفتاء على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في 2016، كما يضع بريطانيا على مسار تسجيل أضعف نمو اقتصادي في عشر سنوات منذ الأزمة المالية العالمية.

كما خفض البنك توقعات النمو الاقتصادي الإجمالي للعام المقبل إلى 1.5% من 1.7%، وذلك قبل أن يرتفع النمو إلى 1.9% في 2021 وهو ما يفوق التقديرات السابقة.

إلى ذلك، انتقدت مديرة صندوق النقد الدولي كرستين لاغارد، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وذلك خلال كلمتها في قمة دوباى، وقالت لاغارد «ما يقلقني.. أن الـ(بريكست) سواء حدث بسهولة أو بتيسير من الاتحاد الأوروبي أو حتى دون اتفاق، فإنه لن يكون لمصلحة بريطانيا أو الآخرين، ولن يكون الوضع كما هو عليه الآن». وحذرت مديرة صندوق النقد الدولي، كافة الأطراف من نتائج (بريكست) غير المتوقعة.

 

شركات تنقل أعمالها

وكانت الحكومة الهولندية أعلنت أن نحو 250 شركة تنظر نقل أعمالها إلى هولندا من بريطانيا قبل خروج الأخيرة من الاتحاد الأوروبي فيما يعرف بـ(بريكست).

وقالت وزارة الشؤون الاقتصادية الهولندية، في بيان لها، «إن 42 من الشركات أو فروع الشركات و1923 وظيفة انتقلت بالفعل من بريطانيا إلى هولندا خلال العام الماضي 2018» حسبما ذكرت صحيفة (ميرور) البريطانية.

وجاء فى بيان الوزارة: «في عام 2019، أعلنت بالفعل عدة شركات بينها بلومبرج وديسكفري عن نيتها الاستثمار في هولندا بسبب (بريكست). كما تُجرى الوكالة الهولندية للاستثمارات الخارجية محادثات مع أكثر من 250 شركة أجنبية تنظر تدشين أعمال في هولندا بعد (بريكست).

وأشار البيان إلى أن معظم الشركات بريطانية، إلى جانب شركات أمريكية وأخرى آسيوية تعيد النظر في مقارّ فروعها الأوروبية، وأن «بعض هذه الشركات تعمل في قطاعات المال والإعلام والإعلان وعلوم الحياة والصحة والخدمات اللوجستية».

 

حدود أيرلندا الشمالية

في غضون ذلك، أكدت وزيرة الخزانة البريطانية ليز تراس، أنه «ما زال بإمكان رئيسة الوزراء تيريزا ماي التوصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي لتغيير الأجزاء الخاصة بحدود أيرلندا الشمالية من اتفاقية الـ(بريكست)».

وفى تصريحاتٍ نقلتها محطة (سكاى نيوز)، قالت تراس: «أؤمن بقدرة تيريزا ماي على التوصل إلى مثل هذا الاتفاق». كما أعربت الوزيرة البريطانية عن رفضها لفكرة الاتحاد الجمركي بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهي فكرة يدعمها حزب العمال المعارض الرئيسي في البلاد، كما أعرب الاتحاد الأوروبي سلفاً عن استعداده بتنفيذها، إلا أن رئيسة الوزراء تيريزا ماي ترفضه بشدة.